جيرار جهامي
مقدمة 19
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )
لذا فهو يميّز بين الحدّ والتعريف والرسم ، نظرا إلى أن كلّا منها يحيط بموضوعه على صعيد مطلق أو نسبي ، مجمل أم مفصّل . وعلى طريقة العلماء التجريبيّين ، انتقل الشيخ الرئيس في تحليلات مختلف مواضيعه استقراءا وتمثّلا . فالنفس توقع المناسبات بين الجزئيات لتصل بها إلى كلّيات تجمع فيما بينها توليفات متماسكة وقوانين علمية معمّمة . أما الاستدراج الاستنباطي فقد اتّبعه منهجا علميّا ضروريّا للإمساك بخيوط العلم وتفرّعاته . يقول في تقديمه كتاب القانون في الطب : « رأيت أن أتكلّم أولا في الأمور العامة الكلية في كلا قسمي الطب ، أعني القسم النظري والعملي ، ثم بعد ذلك أتكلّم عن كلّيات أحكام قوى الأدوية المفردة . ثم في جزئياتها ، ثم بعد ذلك في الأمراض الواقعة بعضو عضو » . وهكذا يجري رصف المعاني عنده وفقا لمعطيات منطقية نظرية وتجربية عملية ، واصلة وفاصلة . هكذا غذّى ابن سينا مذهبه بروح تجربية قائمة على الحس والمشاهدة ، وعلى كشف العلاقات السببية الثابتة بين الكائنات في ضوء قانون العلية ومبادئ اللزوم والتضمّن . إنه الفيلسوف الطبيب الذي وصل بين بعدي التجربة والعقل ، بين العينيات والذهنيات . لقد أتت موسوعته الطبية على نحو انتظامي مبوّب وفقا لمواضيع وفنون وفصول . حلّل فيها مسائل علم الطب ، ووصف بيانات الأدوية ، محلّلا ومشخّصا ومعالجا . توقّف في الكليات الطبية عند الأمزجة والأخلاط ، الأعضاء والعظام ، العصب والشرايين ، الأوردة والقوى والأفعال . وذكر الأمراض وأسبابها ، والأعراض والتدابير الضرورية لعلاجها . فأدخل الحركية في الوظائف الفيزيولوجية للأعضاء ، وعمّم هذه الطريقة على سائر العلوم الطبيعية كما فعل في كتاب الحيوان . كذلك نزع في المنطق عندما حدّد العلاقات المتحرّكة بين الألفاظ ومعانيها ، بين الموضوعات والمحمولات بواسطة مفاهيم الشرطية في التلازم والنسبية في التضمّن ، مدخلا ملحقات المنطق التجريبي في صلب معاني